أبي الفرج الأصفهاني
159
الأغاني
ولا تيأسا أن ترزقا أريحيّة كعين المها أعناقهنّ طوال [ 1 ] من الحارثيّين الذين دماؤهم حرام وأما مالهم فحلال وقال أيضا : ألم تر أنّي وابن أبيض قد جفت بنا الأرض إلا أن نؤمّ الفيافيا [ 2 ] / طريدين من حيّين شتى أشدّنا مخافتنا حتى نخلنا التّصافيا [ 3 ] وما لمته في أمر حزم ونجدة ولا لامني في مرّتي واحتياليا وقلت له إذ حلّ يسقي ويستقي وقد كان ضوء الصبح للَّيل حاديا : لعمري لقد لاقت ركابك مشربا لئن هي لم تضّبح عليهنّ عاليا [ 4 ] بعض أخباره : وأخذت طيّىء ببهدل ومروان أخيه أشدّ الأخذ ، وحبسوا ، فقالوا : إن حبسنا لم نقدر عليهما ونحن محبوسون ، ولكن خلَّوا عنا ، حتى نتجسّس عنهما ، فنأتيكم بهما ، وكانا تأبدا مع الوحش يرميان الصّيد فهو رزقهما . ولما طال ذلك على مروان هبط إلى راع ، فتحدث إليه فسقاه ، وبسطه ، حتى اطمأن إليه ، ولم يشعره أنه يعرفه ، فجعل يأتيه بين الأيام ، فلا ينكره ، فانطلق الراعي ، فأخبره باختلافه إليه ، فجاء معه الطلب ، وأكمنهم ، حتى إذا جاء مروان إلى الراعي كما كان يفعل سقاه ، وحدثه فلم يشعر حتى أطافوا به ، فأخذوه ، وأتوا به عثمان بن حيان أيضا عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة ، فأعطى الذي دلّ عليه جعله ، وقتله . نهاية بهدل : وأما بهدل فكان يأوي إلى هضبة سلمى ، فبلغ ذلك سيّدا من سلمى [ 5 ] ، من طيء ، فقال : قد أخيفت طيّء ، وشرّدت من السهل من أجل هذا الفاسق الهارب ، فجاء حتى حلّ بأهله أسفل تلك الهضبة ومعه أهلات [ 6 ] من قومه ، فقال لهم : إنكم بعيني الخبيث ، فإذا كان النهار فليخرج الرجال من البيوت ، / وليخلوا النساء ، فإنه إذا رأى ذلك انحدر إلى القباب ، وطلب الحاجة والعلّ [ 7 ] فكانوا يخلون الرجال نهارا فإذا أظلموا ثابوا إلى رحالهم أياما ، فظنّ بهدل أنهم يفعلون ذلك لشغل يأتيهم ، فانحدر إلى قبة السّيّد ، وقد أمر النساء : إن انحدر إليكن رجل فإنه ابن عمكن ، فأطعمنه وادهنّ رأسه . وفي قبة السيد ابنتان له فسألهما : من أنتما ؟ فأخبرتاه ، وأطعمتاه ، ثم انصرف فلما راح أبوهما أخبرتاه ، فقال :
--> [ 1 ] أريحية : خيلا أريحية ، أي كريمة الخلق ، كعين المها : كبقر الوحش ذوات الأعين النجلاء ، يريد أن هذه الخيل ربما جاءت لنجدته . [ 2 ] ابن أبيض : كناية عن زميل له في التشرد . [ 3 ] شتى : جمع شتيت بمعنى متفرقة ، وأراد بالجمع ما فوق الواحد ، نخلنا التصافيا : من نخل الشيء بمعنى خلصه من كل ما يشوبه ، أي : أخلص كلانا لأخيه ، والمعنى أنني أنا وابن أبيض من حيين مختلفين شتتنا الخوف ، وألف بيننا ألفة وثيقة . [ 4 ] البيت مقول القول في البيت السابق ، عليهن : على الآبار المفهومة من المقام ، والمعنى : لاقت ركابك مشربا سائغا ، إذا لم تضبح ، أي تصهل ، فيسمع الأعداء صهيلها عاليا . [ 5 ] في ف : « فبلغ ذلك سند بن سلمى » . [ 6 ] أهلات : جمع أهل ، وفي بعض المخطوطات : أهلاب - بالباء - وهو تصحيف . [ 7 ] العل : الشراب ، وفي بعض النسخ « النقل » بدل « العل » ، وربما كان ذلك تحريف « الحل » بكسر الحاء .